الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
105
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 170 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 170 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 170 ) الأحسن عندي أن يكون عطفا على قوله : وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ [ البقرة : 168 ] ، فإن المقصود بالخطاب في ذلك هم المشركون فإنهم الذين ائتمروا لأمره بالسوء والفحشاء ، وخاصة بأن يقولوا على اللّه ما لا يعلمون ، والمسلمون محاشون عن مجموع ذلك . وفي هذه الآية المعطوفة زيادة تفظيع لحال أهل الشرك ، فبعد أن أثبت لهم اتباعهم خطوات الشيطان فيما حرّموا على أنفسهم من الطيبات ، أعقب ذلك بذكر إعراضهم عمن يدعوهم إلى اتباع ما أنزل اللّه ، وتشبثوا بعدم مخالفتهم ما ألفوا عليه آباءهم ، وأعرضوا عن الدعوة إلى غير ذلك دون تأمل ولا تدبر . بَلْ إضراب إبطال ، أي أضربوا عن قول الرسول ، اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ ، إضراب إعراض بدون حجة إلّا بأنه مخالف لما ألفوا عليه آباءهم . وفي ضمير لهم التفات من الخطاب الذي في قوله : وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ [ البقرة : 168 ] . والمراد بما ألفوا عليه آباءهم ، ما وجدوهم عليه من أمور الشرك كما قالوا : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [ الزخرف : 23 ] والأمة : الملة وأعظم ذلك عبادة الأصنام . وقوله : أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ كلام من جانب آخر للرد على قولهم نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا ، فإن المتكلم لما حكاه عنهم رد قولهم هذا باستفهام يقصد منه الرد ثم التعجيب ، فالهمزة مستعملة في الإنكار كناية وفي التعجيب إيماء ، والمراد بالإنكار الرد والتخطئة لا الإنكار بمعنى النفي . و ( لو ) للشرط وجوابها محذوف دل عليه الكلام السابق ، تقديره : لاتّبعوهم ، والمستفهم عنه هو الارتباط الذي بين الشرط وجوابه ، وإنما صارت الهمزة للرد لأجل
--> العمل صار المظنون معلوما وانقلب الظن علما ، فتقليد المجتهد ليس من اتباع الظن في شيء ، وزعم ذلك من اتباع الظن وتحقيقه في الأصول » « روح المعاني » ( 2 / 40 ) ، ط المنيرية .